اعرف نفسك .. من اسمك ( 2 / 2 )

 

ومما يدل على أهمية حسن اختيار الاسم للمولود أن :


- للإسم أثر نفسيّ على صاحبه ( سلباً أو إيجاباً ) بحسب حسن الاسم أو قبحه .
فالدراسات النفسيّة تؤكّد أن اسم الطفل عندما يكون مقبولاً و منتشراً بين الجماعة والبيئة فإنه يساهم كثيراً في النمو النفسي والتكيف والتوافق مع هذه البيئة التي يعيش فيها الطفل .
إذ أن افسم القبيح أو الغريب أو الذي يكون من خارج بيئة الطفل يجعله محل التندّر والاستغراب والتحريف في اسمه من قبل أقرانه .
الأمر الذي ينعكس بالسلبيّة النفسيّة على الطفل ..

قرأت مرّة أن رجلاً كان يعاني من سلوك طفله وعناده وصعوبة طبعه ، وقد حاول ما استطاع إصلاح طبع ابنه فلم يستطع ؛ فسأله أحدهم ما اسم طفلك ؟!
قال : مصعب !
فقال له سمّه : سهل أو سهيل !
ومع الأيام وجد تغيّرا في طبع الطفل من الصعوبة إلى السهولة !
فعلي قدر ما يكون الاسم مقبولاً جميلاً مألوفاً غير غريب يكون له أثر على سلوك الطفل ، وكان أبعد من التندّر به أو السخرية به من قبل زملائه واقرانه !
ومن طريف الأخبار :
أن عالمان في جامعة سايكس البريطانية لاحظا أن أغلب الطلبة الذين يترددون على العيادة النفسية من ذوي الأسماء الغريبة، ولقد أسفرت الدراسة التي قاموا بها عن أن أغلبهم يتعرضون في طفولتهم لمتاعب ومضايقات لا يتحملها بعضهم فيصابون بأمراض نفسية واضطرابات عقلية، ولقد قام العالمان بعمل قائمة تحتوي على تسعة عشر اسماً شاذاً وتسعة عشر اسماً عادياً، وأُعطيت لتلاميذ في سن السابعة وطلب منهم أن يستخرجوا من القائمة أسماء الأولاد الذين يعتقدون انهم أشرار، فكانت النتيجة أن الأطفال اجمعوا على ستة عشر اسماً من الأسماء الشاذة واختلفوا حول ثلاثة فقط من الأسماء العادية، وهذا دليل قاطع على أن الأسماء تُعطي انطباعات معينة عن الأشخاص وطبائعهم.

- أن للإسم أثر على البيئة والسامع من حيث التفاؤل والتشاؤم .
إن الله سبحانه وتعالى بحكمته في قضائه وقدره يلهم النفوس أن تضع الأسماء على حسب مسمياتها ، ولتناسب حكمة الله بين اللفظ ومعناه كما تتناسب بين الأسباب ومسبباتها.
فالناس تتفاءل بالأسماء الجميلة وتنفر من أصحاب الأسماء القبيحة أو التي تدلّ على الضيق والشدّة .
لمّا وقفت حليمة السعدية على عبد المطلب تسأله رضاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير قال لها: ومن أنت؟ قالت: امرأة من بني سعد، قال: ما اسمك؟ قالت: حليمة ، قال: بخٍ بخٍ سعدٌ وحلمٌ هاتان خلتان فيهما غناء الدهر .!
ولما نزل الحسين رضي الله عنه وأصحابه في كربلاء سئل عن اسمها، فقيل له: كربلاء، فقال: كرب وبلاء وكان ذلك فعلاً !!
ومن طريف ما يُذكر :
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل رجلا عن اسمه فقال : جمرة فقال : واسم أبيك ؟ قال : شهاب قال ممن ؟ قال : من الحرقة قال : فمنزلك ؟ قال : بحرة النار قال : فأين مسكنك ؟ قال : بذات لظى : قال : اذهب فقد احترق مسكنك فذهب فوجد الأمر كذلك !
ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وكان اسمها ( يثرب ) وفيه معنى ( التثريب ) اصاب الناس فيها من الحمّى والتعب ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لها وسمّاها ( طابة ) و ( طيبة ) فطابت المدينة بأهلها ولأهلها .
ولذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع يا راشد ) .
وكان ينهى عن التسمّي بـ ( أفلح ونجاح ) ففي الحديث الصحيح أنه قال ( لئن عشت إن شاء الله لأنهين أن يسمى رباح ونجيح وأفلح ويسار ) وفي رواية صحيحة: ( لأنهين أن يسمين بنافعة وبركة ويساراً ) و قال: ( لا تسمين غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح ) .
والسّبب في ذلك ليس لأن الاسم قبيحاً ، وغنما قال صلى الله عليه وسلم ( فإنك تقول أ: أثمّـ هو ) فيقال : لا !
فتقول مثلاً هل عندم ( نجاح ) أو ( نعمة ) أو ( خير ) فلا يكون الشخص موجوداً ، فيقال : لا !
فيقع في النفس من التشاؤم .!
ومن هذا الباب كان صلى الله عليه وسلم لا يعجبه ذلك سدّاً لذريعة حصول التشاؤم !
والمقصود أن للاسم انعكاس ( نفسي وسلوكي ) على الآخرين ممن هم حول صاحب الاسم .

يقول ابن القيم - رحمه الله - ( ولما كانت الأسماء قوالب للمعاني ودالة عليها، اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباطٌ وتناسب، فللأسماء تأثير في المسميات، وللمسميات تأثير في أسمائها سواء كان في الحسن أو القبح، أو الخفة والثقل، أو اللطافة والكثافة كما قال الشاعر:
وقلّما أبصرت عيناك ذا لقبٍ : : : إلا ومعناه إن فكرت في لقبه ) .

- للاسم أثر في تصحيح طبع وسلوك صاحبه .
فالاسم مثار إيماء للمعاني الخيرة التي يحملها هذا الاسم كلما هتف به هاتف أو دعاه داع، فتطبع به آثار هذه المعاني الطيّبة حتى تصبح له خلقاً يتخلّق بها . وهو قرين بآماله وطموحاته وسلوكه .
فإن صاحب الاسم الحسن قد يستحي من اسمه وقد يحمل اسمه على فعل ما يناسب ذلك الاسم .
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستثمر استخدام الاسم الجميل في نصح الآخرين استثارة لهم وتحفيزاً بما يحملونه من اسم .
نقرأ في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن قبائل من قبائل العرب :
( أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها و عصية عصت الله ورسوله ) والأحداث التاريخية تخبر بأن أسلم وغفار قد أسلمتا لله رب العالمين وجاء أفرادهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منيبين طائعين ، أما عصية فإنها حاربت رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتركت مع رعل وذكوان في قتل أصحابه عليه الصلاة والسلام .
ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض قبائل العرب وهو يدعوهم إلى الله وتوحيده : ( يا بني عبد الله إن الله قد حسن اسمكم واسم أبيكم ) فانظر كيف دعاهم إلى عبودية الله بحسن اسم أبيهم وبما فيه من المعنى المقتضي للدعوة .
وكان صلى الله عليه وسلم يلفتنا إلى أسلوب تربوي مهم في صناعة شخصية الطفل من خلال ما يسمّى به الطفل أو يوصف به .
فكان يكنّي الأطفال فيقول : " يا أبا عمير ما فعل النّغير " وفي التكنية تهيئة نفسيّة للطفل في أن يكون على خُلق الكبار .
وكان دئما ما يقول عن سبطه ( الحسن ) رضي الله عنه : " إن ابني هذا سيّد " فكان التأكيد على الطفل منذ نعومة أظفاره على وصفه وتسميه بالأسماء والوصاف الجميلة ذات المعاني السّامية تبعث في الطفل التطلّع والبذل ليكون على ما وُصف به .

- حتى في النّصر والهزيمة ، يكون للاسم اثر في ذلك .
يقول ابن القيم - رحمه الله - ( وتأمل أسماء الستة المتبارزين يوم بدر كيف اقتض القدر مطابقة أسمائهم لأحوالهم يومئذ فكان الكفار : شيبة وعتبة والوليد ثلاثة أسماء من الضعف فالوليد له بداية الضعف وشيبة له نهاية الضعف كما قال تعالى : { الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة } [ الروم : 54 ] وعتبة من العتب فدلت أسماؤهم على عتب يحل بهم وضعف ينالهم وكان أقرانهم من المسلمين : علي وعبيدة والحارث رضي الله عنهم ثلاثة أسماء تناسب أوصافهم وهي العلو والعبودية والسعي الذي هو الحرث فعلوا عليهم بعبوديتهم وسعيهم في حرث الآخرة .. ) !

من كل هذا نُدرك ان اختيار الإسم منعطف خطير في حياة كل إنسان ، وان الاسم بح ذاته مدرسة تربوية ينبغي أن لا يستهين بها الوالدان عند اختيار اسم مولودهما .
وقد قيل : من أراد حسن برّ ابنائه به فليحسن البرّ بهم ابتداء باختيار الاسم الجميل لهم .

كيف تختار اسم طفلك ؟!

1 - اختر الاسم الذي يتضمن المعنى الأجمل ، فهناك معاني جميلة وهناك أجمل .
حتى في الأسماء التي فيها تعبيد لله تعالى ، يقول ابن القيم رحمه الله ( ولما كان الاسم مقتضيا لمسماه ومؤثرا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه كعبد الله وعبدالرحمن وكان إضافة العبودية إلى اسم الله واسم الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرها كالقاهر والقادر فعبد الرحمن أحب إليه من عبد القادر وعبد الله أحب إليه من عبد ربه وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة والتعلق الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده والغاية التي أوجده لأجلها أن يتأله له وحده محبة وخوفا ورجاء وإجلالا وتعظيما فيكون عبدا لله وقد عبده لما في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره ولما غلبت رحمته غضبه وكانت الرحمة أحب إليه من الغضب كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر ) .


2 - ابتعد عن التعقيد في الاسم ، أو الاسم الذي فيه حروف غير متجانسة .
هناك فن يسمونه ( موسيقى الحروف أو جرس الحروف ) وهو يعنى بفن تركيب الكلمات وتناسق حروف الكلمة مع معناها .
بعض الحروف لا يقبل أن يكون مع غيره في اسم أو كلمة لأنه يحدث عند السامع نفرة من وزن الكلمة وجرسها .
لا أعتقد أن الأمر يحتاج إلى أن ندعو كل إنسان أن يتعلم ( جرس الحرف ) .. لأن ذلك مما يُدرك بالطبيعة والسليقة كما يقال ، وبسلامة الذائقة ( الجرسية ) عند الإنسان .


3 - كلّما كان الاسم من وسط بيئة الانسان نابعاً من تاريخه وثقافته كان ذلك أشدّ في تأسيس الانتماء عند الطفل ، وذلك من الأمور التي تعزز هوية الطفل .
فالذي اسمه ( محمد ) شعوره بالانتماء والهوية أقوى من شعور من اسمه ( جوزيف ) أو ( هتان ) ونحوها !
والطفلة التي اسمها ( أسماء ) شعورها بالانتماء وتعزيز هويتها أقوى من تلك الفطلة التي تنشأ على اسم ( تولين ) و ( ناريمان ) !!
هنا لا أنتقد اسماً بعينه على قدر ما أردت التمثيل على هذه الجانب المهم في تعزيز هوية الطفل من خلال اختيار الاسم له .


4 - الاسماء الغريبة أو الطويلة أو التي فيها عجمة ظاهرة مثار للسخرية والتندّر .
5 - تجنّب الأسماء التي تحوي ( تزكية ) أو التي تحوي معاني ( قبيحة ) .
وسبق أن النبي صلى الله عليه وسلم غيّر اسم ( برّة ) إلى زينب !
هناك بعض الأسماء لا يُفهم منها التزكية وإنما العلميّة المجردة من مثل اسم ( صالح ) و ( نافع ) ونحوها فلا بأس من التسمّي بها .


6 - تجنّب الأسماء التي فيها تعبيد لغير الله تعالى .
من مثل اسم ( عبد النبي ) أو ( عبد الرضا ) .
ومن باب الفائدة فإن اسم ( عبد المطلب ) جد النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه تعبيد لغير الله . لأنه كان يُنادى بهذا الاسم من باب وصف الحال .
فإن ( عبد المطلب ) اسمه شيبة الحمد وإنما لقب بـ ( عبد المطلب ) لأنه كان عند أخواله بني النجار في المدينة لما توفي والده . وذلك أن هاشماً كان متزوجاً من بني النجار من أهل المدينة ومات وترك ولده شيبة الحمد عند أخواله في المدينة ، وبعد موته ذهب المطلب أخو هاشم وعم شيبة الحمد إلى المدينة وأتى بابن أخيه ليكون عند أعمامه فلما دخل به مكة ظن أهل مكة أنه عبدٌ اشتراه المطلب فقالوا: هذا ( عبد المطلب ) على سبيل الوصف لا التسمية . فقال لهم المطلب: لا، إنما هو ابن أخي هاشم ولكن غلب عليه ذلك اللقب وصار لا يسمى إلا بعبد المطلب .
ومن هنا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أناالنبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ) ليس فيه إقرار بجواز التسمية بهذا الاسم لأمور :
- أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك على سبيل الإخبار لا على سبيل الإنشاء .
- أنه تبيّن لنا أن ( عبد المطلب ) لم يكن اسماً بقدر ما هو وصف للحال . والمقصود بالتعبيد هنا هو ( عبوديّة ) الرق لا عبوديّة ( الذل والخضوع ) .

وأخيراً يقول صلى الله عليه وسلم : " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسمائكم " رواه مسلم .
بارك الله لك في الموهوب وشكرت الواهب وبلّغك أشده ورزقك بره .


 رابط الجزء الأول :

http://www.naseh.net/index.php?page=YXJ0aWNsZQ==&op=ZGlzcGxheV9hcnRpY2xlX2RldGFpbHNfdQ==&article_id=NDI1&lan=YXI=

الكاتب : أ. منير بن فرحان الصالح
 06-02-2011  |  7656 مشاهدة

مواضيع اخرى ضمن  التربية الأسرية


 

دورات واعي الأسرية


 
 

إستطلاع الرأي المخصص لهذا اليوم!


هل ترى أهمية لحضور دورات عن العلاقة الخاصة بين الزوجين :

    
    
    
    
 

ناصح بلغة الأرقام


4008

الإستشارات

876

المقالات

35

المكتبة المرئية

24

المكتبة الصوتية

78

مكتبة الكتب

13

مكتبة الدورات

444

معرض الصور

84

الأخبار

 

إنضم إلى ناصح على شبكات التواصل الإجتماعي


 

حمل تطبيق ناصح على الهواتف الذكية


 

إنضم إلى قائمة ناصح البريدية


ليصلك جديدنا من فضلك أكتب بريدك الإلكتروني