إنها معادلة قرآنية في طرفها الأول يقول تعالي:{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ...[97] }[سورة النحل].


وطرفها الثاني نتيجة لتحقيق الطرف الأول، حيث يقول تعالي:} فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[97]{ [سورة النحل].



العمل الصالح :على الإطلاق.. كل عمل صالح، والعمل الصالح ينقسم إلى قسمين: واجب، ونافلة، أما الواجب فلا يستطيع الإنسان الزيادة فيه، أو النقصان، وإنما يكون التنافس في النوافل، حيث تتفاوت همم الصالحين في التقرب إلى الله، وبالتالي تكون الحياة الطيبة بالزيادة والنقصان، طبقًا لما يتقرب به العبد من ربه من هذه النوافل بعد أداء ما أوجبه الله عليه، كمًا وكيفًا.



والعمل الصالح بشكل عام تتعدد أشكاله: فأعلاه: كلمة التوحيد' لا إله إلا الله' وما تقتضيه، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، وما بينهما الكثير من هذه الأعمال الصالحة، والميدان مفتوح للجميع.



هل الحياة الطيبة في الدنيا أم في الآخرة؟



أكثر العلماء يرجح أنها في الدنيا، واختلفوا في معنى الحياة الطيبة، ونجمع هذه الأقوال فيما قاله الإمام القرطبي في 'تفسيره':'وفي الحياة الطيبة أقوال:






الأول: أنه الرزق الحلال. الثاني: القناعة. الثالث: توفيقه إلى الطاعات، فإنها تؤديه إلى رضوان الله. الرابع: السعادة. الخامس: حلاوة الطاعة.



السادس: الجنة، وقال الحسن:' لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة'.



السابع: المعرفة بالله، وصدق المقام بين يدي الله.



الثامن : الاستغناء عن الخلق، والافتقار إلى الحق. التاسع : الرضا بالقضاء' .






◄ ويعقب الإمام ابن كثير على هذه الأقوال بقوله:'والصحيح: أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:[ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ] ورواه مسلم والترمذي وابن ماجة .'



عيش المؤمن وعيش الكافر: ويثبت الفخر الرازي بأن الحياة الطيبة تكون في الدنيا بعقد مقارنة بين عيش المؤمن، وعيش الكافر، حيث يقول:'اعلم أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه:



الأول: أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالي، وعرف أنه تعالي محسن كريم لا يفعل إلا الصواب، كان راضيًا بكل ما قضاه وقدره، وعلم أن مصلحته في ذلك، أما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول، فكان أبدًا في الحزن والشقاء.



وثانيها: أن المؤمن أبدًا يستحضر في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها، وعلى تقدير وقوعها يرضي بها؛ لأن الرضا بقضاء الله تعالي واجب، فعند وقوعها لا يستعظمها، بخلاف الجاهل، فإنه يكون غافلاً عن تلك المعارف، فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه.



وثالثها: أن قلب المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالي، والقلب إذا كان مملوءًا من هذه المعارف؛ لم يتسع للأحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا، أما قلب الجاهل، فإنه خالٍ من معرفة الله تعالي، فلا جرم يصير مملوءًا بالأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا.



ورابعها: أن المؤمن عارف بأن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة، فلا يعظم فرحه بوجدانها، وغمه بفقدانها، أما الجاهل فإنه لا يعرف سعادة أخرى تغايرها، فلا جرم يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها.



وخامسها: أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير، سريعة التقلب، فلولا تغيرها وانقلابها لم تصل من غيره إليه'.



نشاط النفوس ونبلها: ويرى ابن عطيه الأندلسي بأن:'طيب الحياة اللازم للصالحين إنما هو بنشاط نفوسهم ونبلها، وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر ملذ، فبهذا تطيب حياتهم، وبأنهم احتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال، وصحة، أو قناعة؛ فذلك كمال، وإلا فالطيب فيما ذكرناه راتب'.



هل المال شرط للسعادة والحياة الطيبة؟



كثيرون يعتقدون ذلك، ولا يتصورون أن السعادة يمكن أن تحدث من غير مال، لذلك فهم يهلكون أنفسهم من أجل المال، ويبيعون قيمهم، ومبادئهم من أجل المال، ويقتلون النفس التي حرم الله من أجل المال.. ويرد سيد قطب على هؤلاء بقوله:'العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض، لا يهم أن تكون ناعمة، رغدة، ثرية بالمال، فقد تكون به، وقد لا يكون معها.



وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: فيها الاتصال بالله، والثقة به، والاطمئنان إلى رعايته وستره وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة، وسكن البيوت، ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير، وآثاره في الحياة، وليس المال عنصرًا واحدًا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكي وأبقي عند الله'.



الفرح بفضل الله: وإن من الحياة الطيبة: الفرح بما يرضي الله ويحبه، الفرح الذي لا يطغي صاحبه وينسيه فضل الله عليه، حيث يقول تعالي:} قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[58]{ [سورة يونس]. وقوله تعالى:} فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ... [170] {[سورة آل عمران]. عن الحسن، والضحاك، وقتادة، ومجاهد:'فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن'.



◄ أي: أن الفرح بهما أفضل وأنفع مما يجمعونه من الذهب والفضة، وسائر خيرات الدنيا؛ لأنه هو سبب السعادة في الدارين، وتلك سبب السعادة في الدنيا الزائلة فحسب، فقد نال المسلمون في العصور الأولى بسببه الملك الواسع، والمال الكثير مع الصلاح والإصلاح مما لم يتسن لغيرهم من قبل ولا من بعد.. وبعد أن جعلوا ديدنهم جمع المال، ومتاع الدنيا، ووجهوا همتهم إليه، وتركوا هداية القرآن في إنفاقه، والشكر عليه، ذهبت دنياهم من أيديهم إلى أيدي أعدائهم.



ما هو الفرح والسرور ؟



يقول ابن القيم:'الفرح لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب، ونيل المشتهى، فيتولد من إدراكه حالة تسمى الفرح والسرور، كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب، فإذا فقده؛ تولد من فقده حالة تسمى: الحزن والغم'. ويقول موضع آخر:'الفرح أعلى أنواع نعيم القلب، ولذته وبهجته، والفرح والسرور نعيمه، والهم والحزن عذابه، والفرح بالشيء فوق الرضى به، فإن الرضى طمأنينة وسكون وانشراح، والفرح لذة وبهجة وسرور، فكل فَرِحٍ رَاضٍ، وليس كل راضٍ فَرِحًا، ولهذا كان الفرح ضد الحزن، والرضى ضد لسخط'.



فرحتان :الفرح فرحتان:



◄ فرحة بالزائل من الدنيا.



◄ وفرحة بالباقي وكل ما يتصل بالباقي الذي لا يزول فإن أثره باقٍ لا يزول، فإن حب الدنيا الزائلة وما فيها والفرح بها، يزول عندما يزول هذا الشيء، وأما الفرح بما عند الله، وبما أنزله من الكتاب، وما جاء به صلى الله عليه وسلم، فإنه لا ينقطع، يبدأ في الحياة الدنيا، ويستمر حتى يغادر الإنسان هذه الحياة، فيتواصل في حياة البرزخ بما يجده من الفضل والنعيم في القبر، ثم يستمر يوم القيامة حين البعث عندما يرى صحائف أعماله نورًا يتلألأ، ثم يدخل الجنة، فتكون الفرحة الكبرى برؤية وجه العزيز الكريم، وبما يرى من نعيم دائم مقيم.



مؤشر الإيمان الصادق: هذا الفرح بفضل الله ورحمته – والذي هو أحد المظاهر البارزة للحياة الطيبة – لا يكون إلا لأولئك المؤمنين الصادقين، الذين اشتروا الآخرة وباعوا الدنيا، فاختاروا بذلك التجارة التي تنجيهم من عذاب أليم، واختاروا الباقي على الزائل، فكان هذا الفرح مؤشرًا دقيقًا لما في قلوبهم من إيمان، حيث إن فاقد الإيمان، أو ضعيفه لا يفرح إلا بما في الدنيا من الزخارف، ويزهد فيما عند الله من الباقي.



ولهذا الأمر نرى الصحابة الكرام عندما بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يصلي أحد سواهم أي المسلمين صلاة العشاء؛ فرحوا فرحًا كبيرًا:



◄ كما جاء عن أبي موسى قال: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ:[عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ ] قَالَ أَبُو مُوسَى:' فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ' رواه البخاري ومسلم.



◄ونرى كيف فرحت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عندما بشرها أبوها صلى الله عليه وسلم بأنها سيدة نساء الجنة.. حيث تروي عائشة وتصف لنا تلك الفرحة الكبرى التي بدت على فاطمة – رضي الله عنها – فتقول:'أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ مَرْحَبًا بِابْنَتِي] ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَبْكِينَ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ [ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي] فَبَكَيْتُ فَقَالَ:[ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ] فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ' رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد.



◄ ونرى كيف فرح الصحابي الجليل أبو هريرة، حتى بكى من شدة الفرح عندما اهتدت أمه، ودخلت الإسلام عندما طلب من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدعو لها بالهداية، يقول أبو هريرة عن تلك اللحظات السعيدة:' فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ قَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا'رواه مسلم وأحمد.



◄ وينقل لنا الصحابي الجليل أنس خادم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرحة الصحابة التي ما كان يعدلها فرحة، عندما بشرهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن المرء يكون مع من أحب يوم القيامة، حتى وإن لم يعمل العمل الكثير. فَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:'أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّاعَةِ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ:[ وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا] قَالَ لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:[ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ] قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ ' رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبوداود وأحمد.



◄ هذه نماذج من فرح المؤمنين بفضل الله ورحمته، مما يدل على ما في قلوبهم من الإيمان الذي استحقوا أن يمنحهم الرب هذه الحياة الطيبة كنتيجة لأعمالهم الصالحة، وصدق الله العزيز عندما قال:



} مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [97] {[سورة النحل].. لقد حققوا الشطر الأول من المعادلة بالعمل الصالح، فحقق الله لهم شطرها الآخر بالحياة الطيبة، ويوم القيامة يجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون.



من كتاب:'معادلات إيمانية' للشيخ / عبد الحميد البلالي