
ما إن يبدأ العد العكسي لاقتراب أيام العيد, حتى يبدأ هاجس التفكير في توفير متطلبات العيد - من حلويات وملابس بالنسبة لعيد الفطر والأضحية بالنسبة لعيد الأضحى- للصغار والكبار على حد سواء , إلا أن هذه المتطلبات تكون بردا وسلاما على فئة بينما تكون هما وقلقا على فئة أخرى أي فئة المحتاجين.
فكيف تدبر هذه الأخيرة أمرها؟
وما هي الاضطرابات التي قد يتسبب بها الحرمان للآباء والأبناء معا؟
ما هي نوعية الاصطدامات التي قد تكون حتى داخل الأسر الميسورة؟.
لكل فئة ملابسها
يكثر الحديث عند اقتراب المناسبات الدينية عن ضرورة إذابة الفوارق الاجتماعية ولو بشكل نسبي إلا أن المتأمل في الواقع المعيشي يستنتج أن لكل فئة ملابسها, كما أن لكل شريحة من المجتمع طعامها.
فالطفل يرى أن من واجب الوالدين توفير متطلباتهم كما جاء على لسان الطفلة مريم-11سنة- التي تقر على أنه من الضروري شراء الكسوة للأبناء ليس بسبب مناسبة العيد فقط بل لأن أبناء الجيران يخبرونها بأنواع وألوان الملابس التي أعدوها للعيد مسبقا فتصر هي الأخرى على اقتناء نفس النوعية دون المبالاة بالظروف المادية للعائلة.
في نفس الإطار تتحدث لطيفة أم لأربعة أطفال يتامى الأب " العين بصيرة واليد قصيرة ,والله يعلم أنني أود كسوتهم جميعا, من نوعية رفيعة بالتساوي, لكنني لا أقدر فألتجئ إلى جمعية خيرية ".
الأثر النفسي للفقر على الأطفال
يقول بلحنيشي دكتور الطب النفسي بمستشفى الرازي للطب النفسي بسلا ، أن هناك تأثير سلبي إذا لم يحس الطفل بفرحة العيد, التي تأتى له من خلال شراء الملابس من طرف الوالدين, هذا التصرف في حد ذاته يخلق نوعا من التوازن في علاقة الآباء بأبنائهم, فاضطرابات الأطفال التي تتمثل في حب تحقيق الرغبات, مما يدفعهم لطلب مالا يطيقه الآباء, والحدود التي يحددها الآباء من جهة أخرى نظرا للظروف والاعتبارات, فيتحتم عليهم عدم الاستجابة لكل الرغبات لتكون بذلك الاستجابة محدودة, وكلما قلّت الاستجابة كلما زادت حدة الاضطرابات.
فإذا لم يتم شراء الملابس لهؤلاء الأطفال كسائر أقرانهم, فستتطور حالتهم من اضطرابات صغيرة إلى توتر ثم شعور بالعدوانية ضد الأطفال الآخرين ثم التهرب منهم لأنهم لا يعيشون مثلهم.
وهنا يجب أن لا نغفل"أطفال الشوارع" الذين يعانون من عدم تحقيق رغباتهم مثل الأبناء المستقرين داخل الأسرة فيحسون بالتهميش ونبذ الآخر والتهرب من أقرانهم ليكونوا عصابات فيما بينهم وتكون لديهم سلوكيات مشينة مثل الحقد واليأس والحزن, واضطرابات نفسية تتمثل في اضطرابات في النوم وفي الحياة العامة والعلاقات مع الآخرين مما يؤثر على سلوكياته حتى في اللعب, وبذلك يشكلون مجتمعا آخر يعود بالخطر والعنف على المجتمع الأول وهو رد فعل سلبي وعدواني تجاه هذا الأخير.
وبما أن هناك عواقب على الأبناء المحتاجين, فلا بد للأب الميسور عند تلبية رغبات أبناءه إشعارهم بضرورة إعانة أبناء المحتاجين والإحساس بمعاناتهم, لأن الطفل يخضع رغباته للمقارنة فيما بينه وبين إخوته وأقرانه فيبدأ مستقبلا بالتباهي بها أمام أصدقائه, ولا قدرة لنا على منعه، بل ما نستطيع فعله هو أن نعلمه إعانة المحتاجين وأن نشرح له أن لديهم نفس الرغبة لكن ظروفهم حالت دون ذلك.
شهادات يعتد بها:
تقول السيدة حفيظة حاصلة على الإجازة في الدراسات الإسلامية وأم لطفلين: "بمناسبة الأعياد الدينية تكثر بعض التقاليد, منها الحسن ومنها السيئ سواء للكبار أو الصغار خاصة بالنسبة لشراء الألبسة وبالتالي يجب إعادة النظر لتوجيه الصغار بالخصوص حتى لا يتربوا عليها, فالجانب السلبي في هذه العادة هو أن الآباء يجدون أنفسهم مجبرون لبيع بعض الأثاث أو الاقتراض لتلبية رغبة أبنائهم, في حين كان من الأفضل تربيتهم منذ البداية على عدم تلبية المتطلبات والابتعاد عن تكليف الآباء ما لا يطيقون".
وعلى عكس ذلك يقول الشيخ المفتي عبد الباري الزمزمي "الأعراف مشروعة في الإسلام والقرآن أقر ذلك, ولكن لكل شيء حد, وقد قال سبحانه وتعالى: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} (الطلاق: من الآية3) فيمكن للإنسان أن يستمتع بالطيبات وما أباح الله لعبادة ولكن في حدود معقولة دون إسراف أو تكلف حتى لا ينقلب العرف من الحسن إلى القبيح ثم إلى الإثم, وشراء الألبسة يدخل ضمن العرف, وقد جرى في العرف أن الناس يحتفلون بأعيادهم الإسلامية أو بأفراحهم فيتهيئون لها باللباس الجديد, وفد كان للنبي صلى الله عليه وسلم لباس خاص ليوم الجمعة, ومن المفروض أن يشتري المرء لباسا بين الفينة والأخرى, والعيد مناسبة لشراء الألبسة الجديدة حتى تظهر بهجة العيد"
الباعة يشتكون :
من الغريب أن يشتكي البائع خاصة في المناسبات, على اعتبار أن النظرة الغالبة عند المواطنين أن بائع الملابس هو الذي يربح وبكثرة, بينما يكون الآباء هم الضحية في مثل هذه المناسبات.
يقول محمد بائع ملابس الأطفال الصغار "لا وجود لمسألة ارتفاع أثمان الملابس في المناسبات الدينية, بل هذا من تهيؤات الآباء الذين يبحثون عن الجودة بأثمان رخيصة, فالأثمان التي نشتري بها من المحلات بالجملة والمصانع لا تتغير طول السنة, وبالتالي ما دام أن ثمن شرائنا للملابس لم يتغير فثمن بيعنا لها لا يتغير أيضا."
وبشكل آخر يتحدث جوهري بائع للملابس التقليدية على أنه: "يلاحظ في الشهور الأخيرة تراجع اقتناء الملابس التقليدية بشكل عام, حيث لم تدم تلك العادة التي كانت مترسخة قديما في ضرورة ارتداء الملابس الأصيلة في الأعياد, وهذه مشكلة الباعة الذين يتاجرون في هذا النوع من الملابس, وأضيف إلى أن من بين الأسباب التي أدت إلى التخلي عن القفطان والجلباب هو ضعف القدرة الشرائية للمواطنين مقارنة مع غلاء هذا النوع من الألبسة, وعلى كلٍ الحمد لله ما زلنا نعيش من هذه المهنة لأن لدينا نوع آخر من الزبائن وهم زوارنا من بلدان الخليج"
هل للعمل الاجتماعي دور؟
انطلاقاً من النداءات المتتالية لتدعيم العمل الاجتماعي سواء من طرف الجهات الرسمية أو فعاليات المجتمع المدني, يتبدى للمتأمل أن حب الخير ومساعدة الغير تجري في عروق كل من يملك ولو ذرة من الإنسانية, لينخرط في إطار مساعدات فردية أو في إطار جمعيات تسعى إلى تلبية حاجيات المحتاجين من خلال تبرعات المحسنين.
وفي هذا الصدد يقول النائب البرلماني الأمين بوخبزة "لباس العيد ليس له علاقة بالعادة ولا بالعبادة بل بالعمل الخيري المبني على المعاينة ومعرفة مدى الاحتياج إضافة إلى زيارة المحتاجين في بيوتهم لإدخال الفرحة عليهم, فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [أغنوهم عن السؤال يوم العيد] وقال: [من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عليه كربة من كرب الآخرة].
والأرملة تكون في كربة إذا لم يلتفت إليها أحد, أما بالنسبة للموسر فلا بأس من التوسعة على النفس وعلى العيال وهي مسألة مطلوبة شرعا في الأعياد الدينية في إطار التنافس الاجتماعي وإظهار النعمة بنية [إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده] دون إلزام النفس ما لا تطيق لأن التكلف منهي عنه شرعا.